في ليلة عاصفة، بينما يرتجف العالم في الأسفل من صوت الرعد ووميض البرق، يحدث في الأعلى شيءٌ لا يصدقه عقل. على ارتفاعات شاهقة تلامس حدود الفضاء، في طبقة الميزوسفير تنفجر ومضات كهربائية ضخمة ترسم أشكال قناديل بحر تهرب إلى السماء، لتظهر لوحة سريالية ضوئية لا تدوم إلا لأجزاء من الألف من الثانية. فما هي الأرواح الحمراء؟
Credit: Copyright Thanasis Papathanasiou |
الأرواح الحمراء ليست هذه الومضات خللاً في الكاميرا أو وهماً بصرياً، بل هي ظاهرة فيزيائية تُعرف بـ "Red Sprites". تظهر هذه الأشباح الضوئية بلون أحمر قاني بسبب تفاعل الشحنات الكهربائية مع نيتروجين في أعلى الغلاف الجوي وتحديداً في طبقة الميزوسفير، لذلك هي ليست برقاً بالمعنى التقليدي (حرارة وتفريغ)، بل هي بلازما باردة تشبه الضوء المنبعث من أنابيب الفلورسنت.
تحدث هذه الظاهرة فوق أقوى العواصف الرعدية في العالم، خاصة في مناطق السهول الكبرى والمدارات الاستوائية، إذ تظهر على ارتفاع يتراوح بين 50 إلى 90 كيلومتراً.
المثير للدهشة أننا ظللنا لقرون نجهل وجودها، حتى جاء عام 1989 ليؤكد العلم ما كان يرويه طيارو الطائرات الحربية عن "أضواء غريبة" ترقص فوق السحب، حيث تمّ التقاط أول صورة لها عن طريق الصدفة في 6 يوليو 1989 من قبل علماء في جامعة مينيسوتا. فتصوير هذه الظاهرة شبه مستحيل وذلك بسبب سرعتها الشديدة؛ فهي تختفي في أقل من 10 ملي ثانيةـ لذلك العين البشرية بالكاد تدرك حدوثها كفلاش خاطف، لكن الكاميرات فائقة السرعة كشفت لنا عن تفاصيلها المعقدة: رؤوس مستديرة ومجسات متدلية نحو الأسفل، وكأنها كائنات فضائية تزور غلافنا الجوي لثانية واحدة ثم ترحل.
ظاهرة "الأرواح الحمراء" تذكرنا أننا مهما تقدمنا في العلم، تظل الطبيعة قادرة على إدهاشنا بما هو شبه مستحيل، فسبحان الخلّاق العظيم.
هل سبق لك أن رأيت وميضاً غريباً فوق سحب عاصفة بعيدة؟ قد تكون شاهدت "روحاً حمراء" دون أن تدري!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق